بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية
أخبار نافذة الشرق – بدأ العدّ العكسي للانتخابات الرئاسية في فرنسا، بعد أن أعلنت الوزيرة مود بريجون، الناطقة باسم الحكومة، رسمياً، موعدها مع نهاية اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه برئاسة إيمانويل ماكرون.
وبحسب بريجون، فإن موعد الجولة الأولى حُدد في 18 أبريل (نيسان) المقبل، فيما ستعقد الدورة الثانية في 2 مايو (أيار). وقد عجّل برونو روتايو، وزير الداخلية السابق ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، إلى توجيه انتقاد لاذع لموعد الانتخابات، خصوصاً أن الدورة الثانية ستوافق يوم الأحد، وهو اليوم التالي لعيد العمل. وتشهد البلاد تقليدياً مسيرات النقابات العمالية، ما لا يتوافق مع «الصمت الانتخابي» المفروض احترامه قبل يوم الانتخابات.
وقال روتايو للقناة الإخبارية «سي نيوز»، إن خيار الحكومة يفيد اليسار؛ «لأن جولة ثانية بعد الأول من مايو من شأنها إسداء خدمة لليسار». وعلى ضوء الوضع السياسي الحالي في فرنسا، أمل روتايو ألا تشهد الجولة الثانية تنافس مرشحي الحزبين الأكثر راديكالية؛ أي حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، وحزب «فرنسا الأبية» المتشدد الذي يقوده جان لوك ميلونشون.
وردّت الوزيرة بريجون على المرشح روتايو، مؤكدة أن قاعدة الصمت الانتخابي «سوف تحترم»، مبدية ثقتها بحس المسؤولية لدى القوى السياسية التي ستطبق هذه القاعدة.
مارين لوبان أو جوردان باريلا
ثمة شبه إجماع في فرنسا على أن انتخابات الرئاسة المقبلة لا تشبه ما سبقها من انتخابات من هذا النوع؛ فالعلامة البارزة في المشهد السياسي الراهن هيمنة مرشح «أو مرشحي» اليمين المتطرف على كافة استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، فإن مشكلة هذا الحزب تكمن في عدم وضوح هوية من سيخوض باسمه هذه الانتخابات.
ذلك أن مارين لوبان، مرشحته «الطبيعية» وابنة مؤسسه جان ماري لوبان، ليست متأكدة من خوض المنافسة، ومصيرها مرهون بالحكم الذي سيصدر عن محكمة الاستئناف في 7 الشهر الحالي في «قضية المساعدين البرلمانيين» في الاتحاد الأوروبي؛ ففي العام الماضي، صدر بحقها حكم يتضمن عدة عقوبات، منها حرمانها من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات مع التنفيذ الفوري.
وإذا أكدت محكمة الاستئناف هذا الحكم، فإن لوبان، التي خاضت الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، ستجد نفسها خارج السباق. وعندها سيحل مكانها رئيس الحزب، جورادن بارديلا، البالغ من العمر 29 عاماً. والحال أن الأخير يوجد بشأنه شبهات استخدام أموال الاتحاد الأوروبي في مآرب شخصية. لكن في أي حال، فإن الاثنين يتصدران وبشكل غير مسبوق استطلاعات الرأي، بحيث يفصل بينهما نحو عشرين نقطة عن المرشح الذي يحتل المرتبة الثانية.
فرنسا تميل يميناً
بيد أن الصعوبة تكمن في تحديد هوية المرشح المنافس القادر على الوصول إلى الجولة الانتخابية الثانية والحاسمة. فالوضع السياسي متغير، والمرشحون كثر، مما لم يُعرف له مثيل في فرنسا بسبب التشظي السياسي والمنافسات والطموحات داخل الحزب الواحد.
وحتى اليوم، هناك مرشحان هما إدوار فيليب رئيس الحكومة الأسبق، وجان لوك ميلونشون. لكن الأول يعاني من تحدٍّ يُدعى غبريال أتال، الذي شغل في السابق منصب رئيس الحكومة ويشغل حالياً رئاسة حزب «الانبعاث» «Renaissance»، أي حزب الرئيس ماكرون. ويمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة. بينما فيليب يترأس حزب «آفاق» «Horizons» الذي يدعم حكم ماكرون، ويُشكّل الحزبان وحزب «الحركة الديمقراطية» «Modem» ما يُعرف بـ«الكتلة المركزية» المعقودة الولاء للرئيس الفرنسي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن فيليب يمكن أن يحصل على ما يقارب 16 في المائة شرط أن يمتنع أتال عن الترشح. وقد نبه فيليب، الأربعاء، في حديث لإذاعة «آر تي إل» من أن تعدد الترشيحات داخل الكتلة المركزية يمكن اعتباره «أمراً خطيراً»؛ لأنه سيفتح باب المواجهة في الدورة الثانية بين بارديلا وميلونشون.
وحتى اليوم، يبدو فيليب متفوقاً على أتال. لكن الوضع متحرك، وأتال مُصرّ أكثر من أي وقت مضى على خوض غمار المنافسة الانتخابية. وفي أي حال، فإن غياب ماكرون، الذي فاز بولايتين متعاقبتين، فتح الباب واسعاً أمام الشهوات الرئاسية.
وتفيد كافة الدراسات السوسيولوجية أن فرنسا، كغالبية الدول الأوروبية، تميل إلى اليمين واليمين المتطرف. ومع ذلك، فإن هذا «المعسكر» بجناحيه منقسم على ذاته رغم وجود محددات مشتركة بينهما، مثل التشدد في مسائل الهجرة والأمن. وثمة «لعبة» سياسية تقوم على سعي مرشح اليمين المتطرف إلى اجتذاب ناخبي اليمين التقليدي، بينما الأخير يتبنى بشكل متزايد طروحات ومقترحات اليمين الراديكالي. والدليل على ذلك أن روتايو، الذي لا تلتف حوله كل تيارات اليمين التقليدي، لم يتردد، الأربعاء، في الإعلان عن دعوته إلى إلغاء حق الحصول على الجنسية الفرنسية لمن يولدون على الأراضي الفرنسية.
تفتت اليسار
أما المشهد في صفوف اليسار فلا يبدو أفضل حالاً؛ إذ إن هناك ما لا يقل عن ثمانية طامحين للترشح داخل الحزب الاشتراكي، بينهم أمينه العام أولفيه فور، ورئيس مجموعته البرلمانية بوريس فالو، والرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند. كما يُضاف إلى هؤلاء مرشح لا ينتمي إلى الحزب، هو النائب الأوروبي رافاييل غلوكسمان ورئيس حزب «الساحة العامة» الذي يحظى بدعم قوي من بعض الاشتراكيين ليكون مرشح اليسار المعتدل الذي لا يرغب في التحالف مع ميلونشون.
ويقول مراقبون إن ميلونشون، الذي سبق له أن خاض ثلاث انتخابات رئاسية، يعد نفسه الأكثر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية. وفي انتخابات عام 2022، كاد يبلغ الجولة الحاسمة لو لم يُترشح بجواره أوليفيه فور عن الاشتراكيين وفابيان روسيل عن الحزب الشيوعي، فضلاً عن مرشحة هامشية عن اليسار الترويتي، مما بدّد أصوات اليسار.

ولا يبدو أن الأحزاب اليسارية وحزب الخضر، الذي ترشحت باسمه أمينته العامة مارين توندوليه، قادرة على التغلب على انقساماتها العميقة وطموحات قادتها، أو حتى التوافق على نهج من التنافس الداخلي لاختيار الشخصية الأكثر حظاً لخوض المعركة الرئاسية. ويتحدث بعض قادة اليسار المعتدل عن ميلونشون باعتباره «عقبة» أمام عودتهم إلى السلطة، بينما يراهن ميلونشون على شعبيته وعلى خبرته وقدراته الخطابية لسحب البساط من تحت أرجل منافسيه.
وثمة دعوات داخل اليسار لتنظيم انتخابات تمهيدية شاملة، إلا أن الاشتراكيين يرفضون ذلك، ويقبلون بانتخابات داخلية، ولكن بعيداً عن حزب «فرنسا الأبية».
ما سبق غيض من فيض؛ فبازار الترشيحات قد فتح، والراغبون في الترشح قد خرج بعضهم إلى العلن، في حين يتهيأ البعض الآخر لذلك. كل يوم، تبرز مقترحات جديدة تتعلق بالاتحاد الأوروبي، والسياسات الداخلية، والمديونية، والاقتصاد، وغلاء المعيشة، فضلاً عن أزمة نظام التقاعد والطاقة. وما يعكسه هذا الواقع بالدرجة الأولى هو تراجع الأحزاب التقليدية في يمين البلاد ويسارها، وتشظّي المشهد السياسي، والاتجاه نحو ما يمكن اعتباره تضخم الأطراف الراديكالية على حساب المركز أو الأحزاب المعتدلة.






