
سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان: اختبار سيادة أم محطة عابرة؟
أ. وائل نعيم عبدالله
كاتب، باحث في القضايا الاجتماعية والتنمية وإدارت الأزمات
من قرار سياسي إلى مسار ميداني
في 5 آب/أغسطس 2025، كلّفت الحكومة اللبنانية الجيش بوضع خطة زمنية لحصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. لم يكن هذا القرار موجهاً إلى المخيمات الفلسطينية بالدرجة الأولى؛ فهو يندرج أساساً ضمن مسار أوسع يستهدف سلاح “حزب الله” جنوب نهر الليطاني، تنفيذاً لالتزامات لبنان بموجب القرار الدولي .1701 لكن الحكومة اختارت أن تبدأ من الحلقة الأقل تعقيداً سياسياً: سلاح الفصائل الفلسطينية
جاء الغطاء السياسي لهذه الخطوة من التفاهم اللبناني–الفلسطيني الذي أعقب زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت في أيار/مايو 2025، والذي نصّ على احترام سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها، مقابل التزام لبناني بمتابعة أوضاع المخيمات وتحسين ظروف سكانها. وربط رئيس الحكومة نواف سلام، منذ اللحظة الأولى، بين معالجة ملف السلاح وبين تعزيز العلاقات الثنائية وتحسين الظروف الإنسانية للاجئين — وهي معادلة ستظل حاضرة، ولو نظرياً، طوال المسار
بدأ التنفيذ الفعلي من مخيم برج البراجنة في 21 آب/أغسطس 2025، حين أعلن رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، السفير رامز دمشقية، انطلاق “المرحلة الأولى” من تسليم سلاح حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى عهدة الجيش. توالت الدفعات بعدها بسرعة لافتة: مخيمات منطقة صور (الرشيدية والبص والبرج الشمالي) في 28 آب، ثم عين الحلوة والبداوي في 13 أيلول/سبتمبر، قبل أن تُستكمل في 30 كانون الأول/ديسمبر 2025 دفعة ثانية من سلاح فصائل منظمة التحرير في عين الحلوة.
على الورق، بدت العملية نموذجاً ناجحاً لتسوية أمنية تدريجية. لكن بعد نحو عام من انطلاقها، تكشّفت حدودها بوضوح: ما جرى تسليمه ليس كل السلاح الفلسطيني، بل سلاح فصائل منظمة التحرير حصراً. وهذه ليست ملاحظة هامشية، بل هي جوهر الأزمة التي يتناولها هذا التقرير.
المرحلة الأولى: نجاح قابل للقياس، لكنه جزئي
بحسب تقرير مجلس الأمن الدولي S/2026/160، نُقلت أسلحة تابعة لفصائل منظمة التحرير إلى عهدة الجيش اللبناني في 8 من أصل 12 مخيماً فلسطينياً في لبنان، بينما لم يُتوصَّل إلى اتفاق بشأن سلاح الفصائل الأخرى، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. ونقلت صحيفة “الشرق الأوسط”، في 30 آب/أغسطس 2026، عن مصدر رسمي لبناني أن نحو 60% من سلاح فصائل منظمة التحرير جرى تسليمه فعلياً، وأن الجزء المتبقي يرتبط بشكل أكبر بالسلاح الفردي الذي تصرّ الفصائل على الاحتفاظ به لأغراض الأمن الداخلي ومنع الاقتتال الفلسطيني الداخلي — وهي تقديرات ينبغي التعامل معها بوصفها أرقاماً منسوبة إلى مصادر لا إحصاءات رسمية نهائية.
هذا النجاح الجزئي كان ممكناً لسبب بنيوي واضح: منظمة التحرير وحركة فتح تملكان بنية سياسية وأمنية معروفة يمكن التفاوض معها والتحقق من التزامها. أما حماس والجهاد الإسلامي، فلا تنتميان إلى منظمة التحرير بالطريقة التنظيمية نفسها، ولا تعترفان بها مرجعية سياسية عليا ملزمة. ولذلك لا تستطيع السلطة الفلسطينية إصدار قرار وانتظار تنفيذه داخل المخيمات، كما فعلت مع فتح.
حماس، من جهتها، تؤكد مراراً أنها لا تملك سلاحاً ثقيلاً أو متوسطاً، وأن مشاركتها في إسناد غزة من الجنوب اللبناني عام 2024 اعتمدت على سلاح أُعيد بعد توقف المواجهات. غير أن مصادر متابعة للملف تفيد بأن ثقل سلاح الحركة الفعلي يتمركز داخل مخيم الرشيدية جنوب الليطاني، ويشمل — بحسب هذه المصادر غير المؤكدة رسمياً — صواريخ من طراز “غراد”، ما يمنح الملف حساسية إضافية نظراً لقرب المخيم من خط المواجهة مع إسرائيل وتزامنه مع مهلة انسحاب حزب الله وتسليم سلاحه جنوب النهر.
النتيجة أن السؤال الذي كان مطروحاً قبل عام — هل ستسلّم الفصائل الفلسطينية سلاحها؟ — تحوّل إلى سؤال أكثر صعوبة: من يملك أصلاً صلاحية اتخاذ قرار التسليم؟
عين الحلوة: حين يتحوّل السلاح من ملف تفاوضي إلى بنية سلطة موازية
إذا كانت معظم المخيمات تخضع لمعادلة بسيطة نسبياً — فصائل مقابل دولة — فإن عين الحلوة حالة لا يمكن اختزالها في هذا القالب. المخيم، الواقع على أطراف مدينة صيدا، ليس مجرد أكبر تجمع فلسطيني في لبنان يعاني أزمة اجتماعية واقتصادية متراكمة؛ إنه منذ أواخر الثمانينيات ساحة تتقاطع فيها سلطات فلسطينية متعددة، وبنى أمنية غير موحدة، وفصائل وطنية وإسلامية، إلى جانب مجموعات سلفية–جهادية ذات تاريخ طويل من الصدام الداخلي والاغتيالات، لا سيما ضد حركة فتح التي تُفترض أنها الطرف الأمني الأول في المخيم.
من عصبة الأنصار إلى جند الشام: تراكم لا يتوقف
جذر المشكلة يعود إلى نشوء عصبة الأنصار في أواخر الثمانينيات، وبروزها لاحقاً كتنظيم سلفي مسلح متمركز أساساً في عين الحلوة. تصفها وزارة الخارجية الأميركية، في تقاريرها السنوية حول الإرهاب (Country Reports on Terrorism)، بأنها جماعة سنية متطرفة، وقد أدرجتها واشنطن على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية منذ عام 2002، فيما تُدرجها لجنة عقوبات مجلس الأمن التابعة للأمم المتحدة ضمن التنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة.
لكن عصبة الأنصار لم تكن الحالة الوحيدة ولا الأخيرة. ففي النصف الأول من العقد الأول من الألفية، برز تنظيم جند الشام كأحد التشكيلات السلفية المسلحة التي اتخذت من محيط المخيم مجالاً لنشاطها، ووصفته دراسات متخصصة بأنه مرتبط بالتيار السلفي–الجهادي وبعلاقات مع تنظيمات متأثرة بفكر القاعدة. وبعد معركة نهر البارد عام 2007 ضد “فتح الإسلام” — التي غيّرت نظرة الدولة اللبنانية إلى السلاح الفلسطيني جذرياً، إذ لم يعد يُنظر إليه كأداة “مقاومة” بقدر ما بات عبئاً أمنياً داخلياً — انتقلت شخصيات وعناصر من التيار الجهادي إلى عين الحلوة، فتعزز التشابك بين مجموعات متباينة الولاءات والبنية.
هذا التاريخ المتراكم يجعل من الصعب رسم حدود ثابتة بين الجماعات: تختفي جماعة باسمها القديم ليظهر بعض عناصرها لاحقاً تحت مسمى تنظيمي جديد، وتتغير التحالفات تبعاً للظرف الأمني، وتنقسم المجموعة الواحدة إلى تيارات متنافسة. ولذلك فإن الحديث عن “الجماعات الأصولية في عين الحلوة” أدقّ بكثير من الحديث عن تنظيم واحد متماسك له قيادة وقرار موحدان.
ثلاثة أوصاف لا ينبغي الخلط بينها
الخطاب العام حول سلاح عين الحلوة يخلط عادة بين ثلاثة مستويات مختلفة تماماً في طبيعتها القانونية والسياسية:
جماعات مصنّفة إرهابياً دولياً، كعصبة الأنصار وفق التصنيفين الأميركي والأممي.
جماعات سلفية أو جهادية متشددة، ارتبط بعضها تاريخياً بأفكار وتنظيمات عابرة للحدود، لكن توصيفها القانوني يختلف من دولة إلى أخرى ولا يحمل بالضرورة صفة “الإرهاب” رسمياً.
مجموعات مسلحة فلسطينية غير منضبطة، يمكن وصف سلاحها بأنه خارج الشرعية اللبنانية، من دون أن يعني ذلك تلقائياً أنها تنظيمات إرهابية.
هذا التفريق ليس تفصيلاً شكلياً. فالخلط بين هذه المستويات يحوّل قضية أمنية–سياسية بالغة التعقيد إلى تسمية واحدة فضفاضة، بينما تختلف طبيعة كل مجموعة ومرجعيتها ومسؤولياتها اختلافاً جوهرياً — وهو خلط يصعّب أي تفاوض جاد لأنه يمنع تحديد من يجب التفاوض معه أصلاً.
اقتتال داخلي لا يتوقف : من 2015 وما قبلها وصولا إلى اغتيال أبو أشرف العرموشي ورفاقه وصولاً لاحقاً إلى أين “ الله العليم “.
الأخطر في تجربة عين الحلوة أن السلاح لم يكن موجهاً إلى الخارج فقط، بل استُخدم مراراً في صراعات فلسطينية–فلسطينية داخل المخيم نفسه، وتحديداً ضد حركة فتح بوصفها الطرف الأمني الرسمي. ففي عام 2015، شهد المخيم مواجهات مسلحة بين جند الشام وعناصر من فتح، ضمن سلسلة طويلة من الاشتباكات التي عكست تنافساً مستمراً على النفوذ والأمن الداخلي.
ثم جاءت أحداث تموز/يوليو 2023 لتكشف مجدداً هشاشة التوازن الأمني: اندلعت مواجهات عنيفة بين فتح ومجموعات إسلامية مسلحة عقب اغتيال قائد الأمن الوطني الفلسطيني في المخيم، اللواء محمد العرموشي المعروف بـ”أبو أشرف”، ومرافقيه. تجدد القتال لاحقاً في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح عائلات، فيما اضطرت الأونروا إلى تعليق خدماتها خلال فترات من الاشتباكات. ووثّقت وكالة أسوشيتد برس أن المواجهات أدت إلى نزوح مئات العائلات، وأن عناصر مسلحة واصلت السيطرة على منشآت تابعة للوكالة الأممية خلال الأزمة.
الدرس الذي تكرر مرتين على الأقل في أقل من عقد هو أن السلطة الأمنية داخل عين الحلوة ليست موحدة أصلاً: فتح تمتلك قوة أمنية لكنها لا تسيطر على كامل المخيم، والقوة الأمنية الفلسطينية المشتركة قادرة أحياناً على احتواء التوتر لكنها لا تستطيع دائماً فرض قراراتها على المجموعات الأكثر تشدداً، والدولة اللبنانية ظل وجودها الأمني داخل المخيم تاريخياً محدوداً ومختلفاً عن وجودها في سائر الأراضي اللبنانية.
لماذا يصعب تكرار “نموذج فتح” في عين الحلوة؟
فتح تنظر إلى سلاحها، في جزء أساسي منه، باعتباره امتداداً لبنية أمنية وسياسية معروفة يمكن إعادة تنظيمها أو تفكيكها ضمن اتفاق مع القيادة الفلسطينية الرسمية. أما الجماعات الأصولية فمعادلتها مختلفة جذرياً: بعضها لا يعترف أصلاً بأن فتح هي المرجعية الأمنية داخل المخيم، وبعضها لا يرى في منظمة التحرير مرجعية سياسية ملزمة، وبعضها لا يتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها طرفاً سياسياً يمكن التوصل معه إلى تسوية حول السلاح من الأساس.
وهنا تحديداً تفشل فكرة أن يكون “الفلسطينيون” طرفاً واحداً في عملية نزع السلاح: الفلسطينيون في لبنان ليسوا تنظيماً واحداً، والمخيم ليس قيادة واحدة، والسلاح ليس مخزوناً واحداً، والأهداف السياسية للفصائل والجماعات ليست متطابقة. تسوية نجحت مع فصيل تقليدي منضبط تنظيمياً لا يمكن نقلها آلياً إلى تنظيم أصولي أو جهادي يملك حساباته الخاصة وتاريخه الخاص في مواجهة الدولة والفصائل على حد سواء.
اليوم التالي: نزع سلاح أم إعادة توزيع للقوة؟
بعيداً عن صور شاحنات السلاح وهي تدخل عهدة الجيش، يبقى السؤال الأعمق دون إجابة واضحة حتى الآن: ماذا يحدث في اليوم التالي للتسليم؟
الهدف الحقيقي ليس أن تتسلم الدولة كميات من السلاح، بل أن تصبح هي المرجعية الأمنية الوحيدة داخل المخيم. وهذا يعني أن نجاح العملية لا يُقاس بعدد الشحنات، بل بقدرة الدولة على منع إعادة إنتاج السلاح في إطار جديد. فإذا خرجت الأسلحة الثقيلة من يد الفصائل بينما بقيت مجموعات مسلحة غير منضبطة تحتفظ بقدرتها على فرض الأمر الواقع، فإن المشكلة لم تنتهِ؛ بل تغيّر شكلها فقط.
وتشير الأونروا إلى أن مسؤولية الأمن والحوكمة المحلية في المخيمات ارتبطت تاريخياً باللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية، لا بوجود أمني لبناني كامل داخلها. ومن هنا فإن سحب السلاح من دون بناء بديل أمني مشروع وفعّال قد يخلق فراغاً بدلاً من أن يخلق استقراراً — وهو تحديداً ما تكشفه تجربة عين الحلوة المتكررة مع الفراغ الأمني وإعادة إنتاج العنف.
البعد الاجتماعي: ملف سلاح في بيئة محرومة بنيوياً
معالجة السلاح بمعزل عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به معالجة ناقصة بالضرورة. تقدّر الأونروا عدد الفلسطينيين المقيمين فعلياً في لبنان بنحو 222 ألف لاجئ (من إجمالي مسجَّلين لدى الوكالة يقارب نصف مليون)، يعيش نحو 45% منهم داخل المخيمات الاثني عشر الرسمية. وتشير بيانات الوكالة إلى أن أكثر من 80% من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر الوطني، وفق آخر مسح اجتماعي–اقتصادي متاح مطلع 2023، مع مؤشرات على أن هذه النسبة قد ترتفع إلى ما يقارب 93% في حال توقف المساعدات النقدية الفصلية التي تقدّمها الوكالة.
هذه الأرقام ليست تفصيلاً هامشياً في قضية السلاح. فالقيود القانونية والاجتماعية المستمرة — من حظر العمل في عشرات المهن المنظَّمة نقابياً إلى منع تملّك العقارات — تؤثر مباشرة في فرص العمل والاستقرار، وتراجع تمويل الأونروا وسط ضغوط دولية متصاعدة يزيد من هشاشة البيئة التي يُفترض أن يُنزع منها السلاح. المعادلة هنا واضحة وإن كانت بديهية: كلما تحسّنت الحقوق والأوضاع الاقتصادية والخدماتية، تراجعت قدرة الجماعات المسلحة على تقديم نفسها بديلاً عن الدولة أو حامياً وحيداً للمجتمع. وهذا لا يعني منح أي طرف مبرراً للاحتفاظ بالسلاح، بل تثبيت أن حصرية السلاح وحقوق اللاجئين ليستا قضيتين متعارضتين، بل مسارين متكاملين إن أُديرا بجدية.
السياق الأوسع: توقيت مرتبط بمسار حزب الله
لا يمكن فهم توقيت خطة نزع سلاح المخيمات بمعزل عن السياق الأشمل: فهي تزامنت مع مهلة انسحاب حزب الله وتسليم سلاحه جنوب نهر الليطاني، وسط ضغوط أميركية وإقليمية متصاعدة لفرض سيادة الدولة اللبنانية الكاملة ومنع تحوّل الأراضي اللبنانية إلى منصة إطلاق تجاه إسرائيل. وقد جاءت دفعة تسليم سلاح عين الحلوة الثانية، في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، قبل يوم واحد فقط من انتهاء إحدى مهل تسليم سلاح حزب الله جنوب الليطاني — توقيت لا يبدو عفوياً بقدر ما يحمل رسالة سياسية: التزام رسمي لبناني بحصر السلاح تدريجياً، بدءاً بالحلقة الأقل تعقيداً سياسياً.
يذهب بعض المتابعين إلى اعتبار ملف المخيمات “مساحة اختبار” يمكن قياس نجاحها أو فشلها قبل الانتقال إلى الملف الأكثر حساسية. فإذا نجحت الدولة في ضبط السلاح داخل المخيمات دون انفجار أمني، يتعزز موقفها التفاوضي حيال الأحزاب المسلحة الأخرى؛ أما إذا تعثرت العملية أو أدت إلى مواجهات، فستكون سابقة تُستخدم لتبرير التريث في ملفات أعقد. في المقابل، يرى فريق آخر أن سلاح المخيمات، بحكم طبيعته الفصائلية المجزأة وحجمه المحدود قياساً بالترسانات الحزبية الأخرى، سيبقى عملياً ملفاً منفصلاً ومحصوراً في نطاقه الجغرافي والوظيفي، دون أن يشكل بالضرورة نموذجاً قابلاً للتكرار على مستوى وطني أوسع.
مقاربات لإدارة الملف دون انفجار أمني
أي معالجة جدية لما تبقى من الملف تستدعي الابتعاد عن منطق “الحل الأمني الشامل والفوري”، والانتقال إلى مقاربة تدريجية على عدة مسارات متوازية:
1.فتح قناة تفاوض مباشرة مع حماس والجهاد الإسلامي، بدل الاكتفاء بالضغط عبر منظمة التحرير التي لا تملك أصلاً أدوات إلزام حقيقية على الحركتين، وذلك بالتنسيق مع المرجعيات الفلسطينية المعنية لا بالالتفاف عليها.
2.ربط تسليم السلاح بجدول زمني واضح للحقوق المدنية والاقتصادية — حق العمل والتملّك تحديداً — بما يحوّل العملية من “نزع” أحادي الجانب إلى تبادل ملموس يقلّص مبررات التمسك بالسلاح كأداة ضغط أو حماية ذاتية.
3.تعزيز حضور أمني تدريجي لا مفاجئ، منسّق مع الفصائل المحلية المعتدلة، مع إشراك القوة الأمنية الوطنية الفلسطينية كحلقة وصل تخفف من حساسية الدخول المباشر للجيش اللبناني في الأحياء الأكثر توتراً داخل عين الحلوة تحديداً.
4.دعم دولي مباشر لموازنة الفراغ الخدماتي، عبر الضغط على الجهات المانحة لضمان استمرارية تمويل الأونروا بدل خفضه، بما يمنع تحوّل الأزمة المعيشية إلى أرضية خصبة لإعادة إنتاج السلاح أو التطرف.
5.فصل التوقيت السياسي عن الجدول الأمني، بتجنّب استخدام ملف المخيمات ورقة ضغط في السجال الداخلي اللبناني حول سلاح حزب الله، لأن تحميل الفلسطينيين كلفة سياسية لا تخصهم قد يدفع الفصائل المتشددة إلى التصعيد كرد فعل دفاعي لا كموقف مبدئي.
6.بناء صيغة أمنية انتقالية واضحة لعين الحلوة تحديداً، تمنع تحوّل الانسحاب التدريجي للسلاح الفصائلي إلى فراغ تستغله الجماعات الأكثر تشدداً، استناداً إلى الدرسين المكرَّرين لعامي 2015 و2023.
خاتمة: عين الحلوة هي الاختبار الحقيقي
ما جرى حتى الآن يثبت أن الدولة اللبنانية استطاعت فتح باب كان مغلقاً لسنوات، وأن اتفاقها مع القيادة الفلسطينية أتاح نقل جزء معتبر من سلاح فصائل منظمة التحرير إلى الجيش. لكن هذا النجاح الجزئي لا يعني أن ملف السلاح الفلسطيني أُقفل — بل ربما يكون جزؤه الأصعب قد بدأ للتو.
فالسؤال الحاسم لم يعد كم سلّمت فتح، بل ماذا سيحدث للسلاح الذي لا تملك فتح، ولا حتى منظمة التحرير، قرار تسليمه؟ وهنا تقع عين الحلوة في قلب المشهد، لأنها تختصر معظم تناقضات القضية الفلسطينية في لبنان: سلطة فلسطينية رسمية من جهة، وفصائل متعددة من جهة ثانية، وجماعات سلفية–جهادية ذات تاريخ طويل من الاقتتال الداخلي والاغتيالات من جهة ثالثة، ودولة لبنانية تسعى لاستعادة سلطتها الكاملة، ومجتمع فلسطيني يعيش ظروفاً اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة من جهة رابعة.
إذا نجحت الدولة في الوصول إلى صيغة تجعل الأمن مسؤولية مؤسساتها وحدها، من دون تحويل المخيم إلى ساحة مواجهة جديدة، ومن دون الخلط بين عموم الفلسطينيين والجماعات المسلحة المتشددة، ومن دون تجاهل حقوق اللاجئين، فسيكون ملف المخيمات نموذجاً مهماً لاستعادة سلطة الدولة بطريقة تدريجية وسلمية. أما إذا بقي سلاح الجماعات الخارجة عن المرجعية الفلسطينية الرسمية خارج أي تسوية، فسيكون لبنان أمام نجاح جزئي في نزع سلاح الفصائل التقليدية، مقابل بقاء العقدة الأصعب في مكانها نفسه.
وفي تلك الحالة، لن يكون السؤال: “هل سلّم الفلسطينيون سلاحهم؟”، بل السؤال الأدق: من يملك القرار الأمني في عين الحلوة؟ وهذا، في نهاية المطاف، هو ما سيحدد مستقبل المخيم أكثر من عدد الأسلحة التي دخلت مستودعات الجيش.
المصادر والمراجع
لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني، بيانات مراحل تسليم السلاح (21 و28 آب/أغسطس، 13 أيلول/سبتمبر، 30 كانون الأول/ديسمبر 2025).
قيادة الجيش اللبناني، بيانات تسلّم السلاح من مخيمات برج البراجنة، الرشيدية، البص، البرج الشمالي، عين الحلوة، والبداوي.
مجلس الأمن الدولي، تقرير S/2026/160 بشأن مسار نزع سلاح المخيمات، ونقل سلاح فصائل منظمة التحرير في 8 من أصل 12 مخيماً، مقابل عدم التوصل إلى اتفاق بشأن سلاح حماس والجهاد الإسلامي.
صحيفة “الشرق الأوسط”، 30 آب/أغسطس 2026، حول عقدة سلاح حماس والجهاد الإسلامي ونسب التسليم من فصائل منظمة التحرير.
وكالة الأونروا، بيانات لبنان والمسح الاجتماعي–الاقتصادي للاجئين الفلسطينيين (تقديرات السكان، الفقر، القيود الاجتماعية والاقتصادية).
وزارة الخارجية الأميركية، Country Reports on Terrorism، حول تصنيف عصبة الأنصار وعلاقاتها التاريخية بالتيار الجهادي.
لجنة عقوبات مجلس الأمن الدولي المرتبطة بالقاعدة، إدراج عصبة الأنصار.
وكالة أسوشيتد برس وتقارير صحافية دولية حول مواجهات عين الحلوة عام 2023 وتداعياتها الإنسانية.
وكالة الأناضول، تقارير حول لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني وتسليم السلاح في مخيمات صور، آب/أغسطس 2025.
موقع “اخبار الغد”، حول تسلّم الجيش اللبناني الدفعة الثانية من سلاح عين الحلوة، كانون الأول/ديسمبر 2025.
تنبيه: المقال المنشور يعبّر عن رأي كاتبه حصراً، ولا يمثّل بالضرورة موقف وكالة نافذة الشرق أو سياستها التحريرية.






