بقلم
Khattab Mrsey
كاتب وباحث في الإعلام الرقمي
كنتُ في مطار أبو ظبي، صيف 2023، حين صعدتُ لأول مرة على متن طائرة تحمل شعار “Wizz Air Abu Dhabi”.
كانت الرحلة إلى تبليسي.
99 درهمًا فقط، لا مشروبات، لا اختيار مقعد، لا أمتعة مجانية… لكني كنتُ سعيدًا كأنني حجزتُ درجة أولى إلى المريخ.
وكنتُ أظن، ساذجًا كما نكون دائمًا مع البدايات، أن هذه الشركة ستغير قواعد اللعبة.
الآن، بعد إعلان توقف Abu Dhabi Wizz Air بشكل رسمي، أشعر كأن الرحلة التي لم تكتمل لم تكن رحلتي فقط… بل تجربة مدينة، وطموح سوق، وربما حلم شخصٍ ما رسم مسار الطائرات فوق الخليج وظن أنه قادر أن يُقلّع من فوق كل القيود.
لم تكن مجرد شركة طيران
ويز إير في أبو ظبي كانت أكثر من مجرد خطوط جوية منخفضة التكلفة.
كانت وعدًا بالسفر للجميع… للطلبة، للمغامرين، للموظف الذي يريد عطلة قصيرة دون قروض.
كانت اختصارًا لعالمٍ جديد، يقول: يمكنك أن ترى أوروبا بأقل من ثمن وجبة سوشي.
لكن هذا الحلم الوردي تحوّل إلى سؤال صادم:
لماذا توقفت؟
الهاشتاغ لا يُقلع
بحثتُ في الأخبار.
البيانات الصحفية كانت مرتبة كأنها تشرح وفاة هادئة.
“توقف العمليات بدءًا من سبتمبر 2025”.
“إعادة تقييم الأولويات”.
“التركيز على الأسواق الأوروبية”.
كلامٌ مرتب… لكنه بلا طعم.
لم يقولوا لنا الحقيقة.
لكننا نعرفها جيدًا، نحن الذين جرّبنا الانتظار في المطارات، وتفاوضنا مع خدمة العملاء عبر تطبيقات لا تجيب.
المحركات لا تحبّ الحر
قيل إن المناخ في الخليج لا يرحم محركات الطائرات الجديدة.
حرارةٌ تجهد الأنظمة… طقسٌ لا يُناسب رئة الطيران الرخيص.
وقيل إن الاتفاقيات السياسية لم تُفتح لها أبواب الهند ولا السعودية… وإن القواعد تغيّرت بينما كانت تحاول الطيران.
وقيل أيضًا إن المسافرين لم يعودوا يحتملون أن يدفعوا لكل شيء… من المقعد إلى زجاجة الماء.
كل هذا صحيح.
لكنه ليس السبب الوحيد.
النهاية بدأت حين أصبح النجاح رقمًا
حين بدأت Wizz Air تعدّ رحلاتها لا بالأحلام، بل بالأرباح، بدأت تتراجع.
فالذي ينظر للسماء بحساب السوق، لن يرى النجوم، بل فقط كلفة الوقود.
ماذا يبقى من شركة طيران بعد سقوطها؟
أظنّ أن الذي يبقى ليس الطائرات، ولا الخطوط، ولا الشعار الوردي.
الذي يبقى هو أثرها فينا نحن…
نحن الذين صدّقنا أن العالم يمكن أن يُختصر بتذكرة رخيصة.
ختاماً
Abu Dhabi Wizz Air لم تكن كذبة، لكنها لم تكن مستعدة لحقيقة هذا المكان.
الشرق الأوسط ليس سهلًا… لا للسياسة، ولا للطيران، ولا للخطط الطموحة.
لكنه أيضًا لا ينسى من يحاول، ولو سقط.
وربما، ذات يوم، حين نطير من أبو ظبي مجددًا مع شركة لا نعرفها بعد، سنذكر تلك الرحلات الرخيصة كحلمٍ مرّ… لكنه كان جميلًا.