
مستقبل المخيم بين اللجوء والكرامة
أ.وائل نعيم عبدالله
كاتب، باحث في القضايا الاجتماعية والتنمية وإدارة الأزمات
كل ّمرة أمرّ فيها بجوار أحد المخيمات الفلسطينية في لنبان، يقفز إلى ذهني السؤال نفسه : إلى متى سيظل هذا المكان محكوماً بمنطق الطوارئ؟ فالمخيم، في وعينا الجمعي ، ارتبطاً تاريخيا باللجوء والصمود وبحلم العودة وبالفقر والاضطهاد و بالأحداث الأمنية المعقدة ومحطات الإنتظار ، بينما نادراً ما نتحدث عنه بوصفه مجتمعاً حياً له طموحه الخاص و مستقبله الذي ينتظر من يستثمر فيه.وهنا بالتحديد تكمن المشكلة الأعميق؛ فهي ليست في نقص الموارد فحسب، بل في الطريقة التي اخترنا بها ،لعقود من الزمن، كيف ننظر إلى هذا المجتمع ؟!
من الإغاثة إلى التمكين
لا أُنكر أن الإغاثة كانت ، ولا تزال ضرورة لا غنى عنها في مواجهة الفقر والحرب والنزوح .غير أنني أرى أن الاكتفاء بها وحدها لا يبني مستقبلاً ، بقدر ما يُبقي الناس على قيد الإنتظار. لذلك ، فإن الإنتقال من سؤال “ كيف نساعد المخيم ؟”إلى سؤال أكثر جرأة، وهو “ كيف نُمكّن أهله من بناء حياتهم بأنفسهم ؟” _ وهنا يكمن الفصل _ ما بين إدارة الأزمة وصناعة الحل .
أرقام لا يمكن تجاوزها
حين أراجع بيانات وكالة الأونروا، أجد ما يؤكد هذا التوجه بوضوح لا لبس فيه؛إذ يعيش أكثر من 80% من الاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر ، بينما يقطن نحو 45% منهم داخل المخيمات الاثني عشر ، في ظروف تصفها الوكالة نفسها بالاكتظاظ الشديد وتردي البنية التحتية.وتؤكد دراسةاجتماعية و اقتصادية صدرت عام 2025. استناداً إلى بيانات جُمعت أواخر 2022 ومطلع 2023 ،أن 83% من هؤلاء اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر، نتيجة عقود متراكمة من القيود المفروضة على العمل والتملك والوصول إلى الخدمات .هذه ليست مجرد احصاءات عابرة في تقرير سنوي ، بل هي ، من وجهة نظيري، مؤشر صريح على أن أزمة المخيم بنيوية لا موسمية .
التنمية ليست تنازلاً عن حق العودة
أدرك جيداً أن الحديث عن التنمية داخل المخيمات قد يثير قلق البعض، خشية أن يُفهم على أنه تراجع عن قضية اللجوء أو تنازل عن حق العودة . غير أنني أرى الأمر من زاوية مغايرة تماما؛ فالإنسان الذي يتمسك بحقه السياسي لا يفقد في المقابل، حقه في حياة كريمة. والشاب الذي بتعلم مهنة أو يطوّر مشروعاً صغيراً لا يساوم بذلك على هويته أو علىإنتمائه لفلسطين. فالتنمية، بهذا المعنى، لا تعني تحويل المخيم إلى مشروع إسكاني، وإنما التعامل معه كمجتمع له احتياجات ممتدة: تعليم أفضل، وتدريب مهني حقيقي، وبنية تحتية أكثر صموداً، وفرص اقتصادية تخفف من هشاشة الأُسر.
ولعل ما يعزز قناعتي هذه تجربة إعادة إعمار مخيم نهر البارد شمالي لبنان، حيث أشركت الأونروا السكان أنفسهم في تصميم منازلهم وإعادة بناء نسيجهم الاجتماعي، إلى جانب تأهيل البنية التحتية والمحال التجارية. فهذه التجربة أثبتت أن إعادة البناء لا تكتمل حين يُعاد تشيد الحجر فقط. بل حين يُستعاد معه المجتمع بكل ما يحمله من علاقات وذاكرة وطموح.
بين الاستجابة الطارئة والاستثمار الطويل
لا أدعو ،بأي حال إلى تقليص الاستجابة الانسانية، خصوصاً في ظل ما شهدته المخيمات خلال الأعوام 2023 حتى مطلع العام 2026 من حالات عدم الاستقرار نتيجة النزوح المتكرر خاصة المخميات الفلسطينية التي تقع في جنوب لبنان.حيث فقدت الأُسر مصادر رزقها، بحسب ما أفادت به الأونروا نفسها. لكنني أعتقد أن المطلوب إلى جانب هذه الاستجابة، هو الاستثمار أطول نفساً في الإنسان ذاته. فماذا لو ارتبطت برامج التدريب المهني بحاجات سوق العمل افعلية؟ وماذا لو امتلك الشباب أدوات العمل الرقمي التي تفتح أمامهم آفاق تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة للمخيم؟ وماذا لو أُشرك سكان المخيمات أنفسهم في تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية، بدلا ًمن أن تبقى القرارات حكراً على جهات خارجية؟ هذه الأسئلة ، من وجهة نظري ، ليست ترفاً فكرياً بل هي بوابة الانتقال من منطق إدارة العجز إلى منطق بناء القدرة على الصمود والإستمرار.
خاتمة : مساحة بين حقّين
بعد عقود طويلة من اللجوء، لم مقبولا ًأن يظل السؤال الوحيد المطروح هو: كيف نُبقي الناس على قيد الحياة؟ فالسؤال الأكثر إنصافاً، في تقديري، هو: كيف نساعدهم على أن يعيشوا حياة تليق بكرامتهم؟ صحيح أننا لا نستطيح حسم قضية اللجوء بمشروع تنموي واحد، ولا حل أزمات لبنان المعقدة بخطة بسيطة، لكننا نستطيع على الأقل ، أن ننطلق من قناعة واضحة: اللاجئ الفلسطيني ليس حالة طوارئ دائمة، والمخيم ليس قدراً محكوماً من الفقر والإكتظاظ. فبين حق العودة وحق الحياة الكريمة مساحة واسعة، لا ينبغي لنا أن نتركها فارغة. ولذلك، حين أطرح سؤال “ هل حان وقت التنمية؟” فأنا لا أدعو إلى التخلي عن الإغاثة، بل إلى تجاوز الإكتفاء بها؛ فالمجتمعات لا تعيش للأبد على المساعدات، بل تعيش بالقدرة على الصمود والاستمرار ، والتعليم والعمل والمشاركة والكرامة.وربما تكون الخطوة الأكثر صدقاً تجاه المخيم الفلسطيني أن ننظر إليه ، أخيراً، لا بوصفه مشكلة تنتظر حلاً ، إنما مجتمعاً يستحق أن يكون له مستقبلاً.
مصادر البيانات :
– بيانات منشورة حتى فبراير/شباط2025 (الأونروا،صفحة الاجئون الفلسطينيون في لبنان).
– منشور 9 مارس / آذار 2025 ( الأونروا، المسح الاجتماعي والاقتصادي للاجئين الفلسطينيين في لبنان).
– الأونروا، تقارير الاستجابة للطوارئ في لبنان 2026.
– الأونروا، معلومات إعادة بناء مخيم نهر البارد ومشاركة المجتمع في التخطيط وإعادة البناء.
تنبيه: المقال المنشور يعبّر عن رأي كاتبه حصراً، ولا يمثّل بالضرورة موقف وكالة نافذة الشرق أو سياستها التحريرية.






