أخبار نافذة الشرق – يعيد قرار حكومي لبناني أخير بشأن حصر السلاح بيد الدولة فتح ملف شائك طالما شكل نقطة خلاف داخلية، وورقة في لعبة توازنات اقليمية ودولية معقدة. هذا الملف ظل معلقًا منذ توقيع اللبنانيين على وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ«اتفاق الطائف» عام 1989.
منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، مرورًا باشتباكات بيروت في 7 مايو (أيار) 2008، وحتى اليوم، بقي السلاح العنوان الأبرز لكل تحولات لبنان الأمنية والسياسية، من مفاهيم «المقاومة» إلى «الردع» وصولًا إلى الانقسامات الحادة.
كيف تعاملت الحكومات المتعاقبة مع ملف الميليشيات بعد اتفاق الطائف؟
النائب مروان حمادة يوضح أن اتفاق الطائف جاء في فترة كانت الميليشيات تنشط على كل الجبهات والطوائف، وكانت مهمة حكومة ما بعد الحرب الأهلية حل هذه المجموعات وجمع أسلحتها. ويكشف حمادة عن تشكيل “لجنة وزارية” لهذا الغرض.
ويضيف حمادة، في تصريحات لـ«نافذة الشرق»، أن حركة «أمل» والحزب التقدمي الاشتراكي سلّما أسلحتهما للجيش اللبناني. أما القوات اللبنانية، فبسبب توتر العلاقة مع الجيش آنذاك، تم بيع أسلحتها الثقيلة إلى كرواتيا خلال حرب البلقان، بقرار من مجلس الوزراء وإشراف رسمي. بينما استُثني سلاح «حزب الله» بحجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، بقرار من الوصاية السورية.
ويضيف: “في تلك الفترة كانت هناك مقاومة وطنية من أحزاب يسارية وفصائل فلسطينية، وأخرى إسلامية تأسست عام 1982 بدعم سوري – إيراني، وهي التي أصبحت (حزب الله). القرار السوري – الإيراني قضى بتصفية المقاومة الوطنية والفصائل الأخرى، حتى لم يبقَ سوى الحزب”.
ما أبرز المحطات التي أثرت على مسار السلاح في لبنان؟
يستعرض حمادة محطات بارزة تركت أثرها على مسار السلاح، مثل عدوان 1993، وعدوان 1996 الذي أوقع أكثر من مائة قتيل، وانتهى بتفاهم نيسان (أبريل) برعاية فرنسية أميركية سورية لبنانية، لتحييد المدنيين عن العمليات العسكرية.
ويضيف: “حين قررت إسرائيل الانسحاب من دون اتفاق عام 2000، فُتح باب المطالبة بانسحاب القوات السورية وحلّ الميليشيات، لكن دمشق رفضت ذلك متمسكة بذريعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقرى السبع، وجرى الانتقال إلى شعارات أوسع مثل تحرير القدس، لتبرير استمرار السلاح وتطويره”.
القرار 1559 والاغتيالات السياسية
يشير حمادة إلى أنّ المعارضة المسيحية والدرزية، ولاحقًا جزء من الطائفة السنية بقيادة رفيق الحريري، رفعت سقف المطالبة بإنهاء الوصاية السورية ونزع سلاح «حزب الله». ويوضح أن “هذه المرحلة دشنت أسلوب التعطيل السياسي، من انسحاب الوزراء الشيعة إلى رفض إنشاء المحكمة الدولية، وصولًا إلى موجة اغتيالات طالت شخصيات أمنية وسياسية.”
أحداث 7 أيار واتفاق الدوحة
يصف حمادة أزمة شبكة الاتصالات التابعة لـ«حزب الله» بأنها كانت الشرارة التي فجرت أحداث 7 مايو عام 2008، والتي انتهت باتفاق الدوحة. ويشير إلى أنه قبلها بأشهر، طمأنهم أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله أن الصيف سيكون هادئًا، لكن “الحزب” نفذ عملية عبر الحدود أدت إلى حرب مدمرة استهدفت البنى التحتية.

ويضيف، نقلًا عن مصادر في نافذة الشرق، أن دول الخليج رممت الدمار الذي خلفته الحرب، إلا أن السلاح بقي وارتبط أكثر بالمحور الإيراني.
هل استثنى اتفاق الطائف سلاح المقاومة؟
النائب والوزير السابق بطرس حرب، أحد المشاركين في صياغة اتفاق الطائف، يؤكد أن الاتفاق نصّ بوضوح على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، من دون أي استثناءات، معتبرًا أن أي كلام عن إجازة الاتفاق استمرار سلاح المقاومة هو تزوير للتاريخ.
ويرى حرب أن ما جرى لاحقًا كان نتيجة مباشرة لوصاية دمشق، التي “عطّلت التنفيذ وحمت وجود ميليشيات مسلّحة، وعلى رأسها (حزب الله)، بذريعة مقاومة الاحتلال، بينما كانت تحكم قبضتها على القرار السياسي والأمني اللبناني”.

وأضاف حرب لـ«نافذة الشرق»: “اتفاق الطائف جاء ليعيد السلاح إلى الدولة اللبنانية وحدها، ويقضي بحلّ جميع الميليشيات بلا استثناء، بما فيها السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. ما حصل لاحقاً أن سوريا وضعت يدها على لبنان، وفرضت واقعاً سياسياً وأمنياً لم ينصّ عليه الطائف إطلاقاً، بل عطّلت تنفيذه، وحمت وجود ميليشيات مسلّحة، على رأسها (حزب الله)”.
ما مصير السلاح الفلسطيني في ظل التطورات الراهنة؟
يرى حمادة أن السلاح الفلسطيني تحوّل بدوره إلى جزء من شبكة النفوذ الإقليمي، ودخل النفوذ السوري ثم الإيراني عليه، وانضم إليه “السلاح المتشدد كما في (فتح الإسلام) وبعض الفصائل التكفيرية في مخيم عين الحلوة، فتحول إلى مزيج من السلاح الفلسطيني والسوري والإيراني والتكفيريّ”.

وحول القرار الحكومي الأخير بحصر السلاح بيد الدولة، قال حرب: “نحن أمام خطوة جديدة على طريق استعادة القرار الوطني للمؤسسات الدستورية. لكن المسألة الآن أمام خيارين: إما أن يقرّر (حزب الله) الاندماج في الدولة اللبنانية ويتحول إلى حزب سياسي كسائر الأحزاب، وإما أن يبقى خاضعاً للتوجيهات الخارجية، ما قد يجر الويلات على لبنان ويدمر فرص تعافيه الاقتصادي والسياسي”.